فصل: عودة التتر إلي الري وهمذان وبلاد الجبل

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  استيلاء ابن آبنايخ على نسا

كان نصرة الدين بن محمد قد استولى على نسا بعد ابن عمه اختيار الدين كما مر واستناب في أموره محمد بن أحمد النسائي المنشئ صاحب التاريخ المعتمد عليه في نقل أخبار خوارزم شاه وبنيه فأقام فيها تسع عشرة سنة مستبداً على غياث الدين ثم انتقض عليه وقطع الخطبة له فسرح إليه غياث الدين العساكر مع طوطي بن آبنايخ وأنجده بأرسلان وكاتب المتغلبين بمساعدته فراجع نصرة الدين محمد ين حمزة نفسه وبعث نائبه محمد بن أحمد المنشئ إلى غياث الدين بمال صالحه عليه فبلغه الخبر في طريقه بوصول جلال الدين واستيلائه على غياث الدين فأقام بأصفهان ينتظر صلاح السابلة وزوال الثلج‏.‏ثم سار إلى همذان فوجد السلطان غائباً في غزو الأتابك بقطابستي‏.‏وكان من خبره أنه صهر إلى غياث الدين على أخته كما قدمنا فهرب بعد خلعه إلى أذربيجان واتفق هو والأتابك سعد وسار إليهما جلال الدين فخالفه الأمير أيغان طائسي إلى همذان وسار إلى جلال الدين وكبسه هنالك فأخذه ثم أمنه وعاد إلى مخيمه ولقيه وافد نصرة الدين على بلاد نسا وما يتاخمها وبعث إلى ابن آبنايخ بالإفراج عن نسا‏.‏ثم بلغ الخبر مسير السلطان جلال الدين إلى خوزستان ونواحي بغداد ولما استولى السلطان جلال الدين على أخيه غياث الدين واستقامت أموره سار إلى خوزستان شاتياً وحاصر قاعدتها وبها مظفر الدين وجه السبع مولى الخليفة الناصر‏.‏وانتهت سراياه في الجهات إلى بادرايا وإلى البصرة فأوقع بهم تلكين نائب البصرة وجاءت عساكر الناصر مع مولاه جلال الدين قشتمر وخاموا عن اللقاء وأوفد ضياء الملك علاء الدين محمد بن مودود السوي العارض على الخليفة ببغداد عاتباً وكان في مقدمته جهان بهلوان فلقي في طريقه جمعاً من العرب وعساكر الخليفة فرجع وأوقع بهم ورجعوا إلى بغداد‏.‏وجيء بأسرى منهم إلى السلطان فأطلقهم واستعد أهل بغداد للحصار وسار السلطان إلى بعقوبا على سبع فراسخ من بغداد‏.‏ثم إلى دقوقا فملكها عنوة وخربها وقاتلت بعوثه عسكر تكريت وترددت الرسل بينه وبين مظفر الدين صاحب إربل حتى اصطلحوا واضطربت البلد بسبب ذلك وأفسد العرب السابلة‏.‏وأقام ضياء الملك ببغداد إلى أن ملك السلطان مراغة والله تعالى أعلم‏.‏أولية الوزير شرف الدين هذا الوزير هو فخر الدين علي بن القاسم خواجة جهان ويلقب شرف الملك أصله من أصفهان وكان أول أمره ينوب عن صاحب الديوان بها وكان نجيب الدين الشهرستاني وزير السلطان وابنه بهاء الملك وزير الجند وفخر الدين هذا يخدمه بها‏.‏ثم تمكن من منصب الإفتاء وطمح إلي مغالبة نجيب الدين على الوزارة وسعى عند السلطان بأنه تناول من جبايتها مائتي ألف دينار فسامحه بها السلطان ولم يعرض له‏.‏ثم سعى بفخر الدين ثانية فولي وزارة الجند وأقام نجها أربع سنين حتى عبر السلطان إلى بخارى فكثرت به الشكايات فأمر بالقبض عليه فاختفى ولحق بالطالقان إلى أن اتصل بجلال الدين حين كان بغزنة بعد مهلك ابنه فرتبه في الحجابة إلى أن أجاز بحر السند وكان وزيره شهاب الدين الهروي فقتله قباجة ملك الهند كما مر واستوزر جلال الدين مكانه فخر الدين هذا ولقبه شرف الملك ورفع رتبته على الوزراء وموقفه وسائر آدابه وأحواله‏.‏

  عودة التتر إلي الري وهمذان وبلاد الجبل

وبعد رجوع التتر المغربة من أذربيجان وبلاد قفجاق وسروان كما قدمناه وخراسان يومئذ فوضى ليس بها ولاة إلا متغلبون من بعض أهلها بعد الخراب الأول والنهب فعمروها فبعث جنكز خان عسكراً آخراً من التتر إليها فنهبوها ثانياً وخربوها وفعلوا في ساوة وقاشان وقم مثل ذلك ولم يكن التتر أولاً أصابوا منها‏.‏ثم ساروا إلى همذان فأجفل أهلها وأوسعوها نهباً وتخريباً وساروا في اتباع أهلها إلى أذربيجان وكبسوهم في حدودها فأجفلوا وبعضهم قصد تبريز فسار التتر في اتباعهم وراسلوا صاحبها أزبك ابن البهلوان في إسلام من عنده فبعث بهم بعد أن قتل جماعة منهم وبعث برؤوسهم وصانعهم بما أرضاهم فرجعوا عن بلاده والله تعالى أعلم‏.‏

  وقائع أذربيجان قبل مسير جلال الدين إليها

لما رجع التتر من بلاد قفجاق والروس وكانت طائفة من قفجاق لما افترقوا وفروا أمام التتر ساروا إلى دربند شروان واسم ملكه يومئذ رشيد وسألوه المقام في بلاده وأعطوه الرهن على الطاعه فلم يجبهم ريبة بهم فسألوه الميرة فأذن لهم فيها فكانوا يأتون إليها زرافات وتنصح له بعضهم بأنهم يرومون الغدر به وطلب منه الإنجاد بعسكره وسار في أثرهم فأوقع بهم وهم باخلون بالطاعة فرجع ذلك القفجاقي بالعسكر‏.‏ثم بلغة أنهم رحلوا من مواضعهم فاتبعهم ثانياً بالعساكر حتى أوقع بهم ورجع إلى رشيد ومعه جماعة منهم مستأمنين وقد اختفى فيهم كبير من مقدميهم وتلاحق به جماعة منهم فاعتزموا على الوثوب فهرب خائفاً ولحق ببلاد شروان واستولت طائفة القفجاق على القلعة وعلى مخلف رشيد فيها من المال والسلاح واستدعوا أصحابهم فلحقوا بهم واعتزموا وقصدوا قلعة الكرج فحاصروها‏.‏وخالفهم رشيد إلى القلعة فملكها وقتل من وجد بها منهم فعادوا من حصار تلك المدينة إلى دربند وامتنعت عليهم القلعة فرجعوا إلى تلك المدينة فاكتسحوا نواحيها وساروا إلى كنجة من بلاد أران وفيها مولى لأزبك صاحب أذربيان فراسلوه بطاعة أزبك فلم يجبهم إليها وعلا عليهم ما بدر منهم في الغدر ونهب البلاد واعتذروا بأنهم إنما غدروا شروان لأنه منعهم الجواز إلى صاحب أذربيجان‏.‏وعرضوا عليه الرهن فجاءهم بنفسه ولقوه في عمد قليل فعدا عن محال التهمة فبعث بطاعتهم إلى سلطانه وبعث بذلك إلى أزبك وجاء بهم إلى كنجة فأفاض فيهم الخلع والأموال وأصهر إليهم وأنزلهم بجبل كيكلون‏.‏وجمع لهم الكرج فآواهم إلى كنجة‏.‏ثم سار إليهم أمير من أمراء قفجاق ونال منهم فرجعوا إلى جبل كيكون‏.‏وسار القفجاق الذين كبسوهم إلى بلاد الكرج فاكتسحوها وعادوا فاتبعهم الكرج واستنقذوا الغنائم منهم وقتلوا ونهبوا فرحل القفجاق إلى بردعة وبعثوا إلى أمير كنجة في المدد على الكرج فلم يجبهم فطلبوا رهنهم فلم يعطهم فمدوا أيديهم في المسلمين واسترهنوا أضعاف رهنهم‏.‏وثار بهم المسلمون من كل جانب فلحقوا بشروان وتحفظهم المسلمون والكرج وغيرهم فأفنوهم وبيع سبيهم وأسراهم بأبخس ثمن وذلك كله سنة تسع عشرة وكانت مدينة بيلقان من بلاد أران فأخربها التتر كما قدمناه وساروا عنها إلى بلاد قفجاق فعاد إليها أهلها وعمروها وسار الكرج في رمضان من هذه السنة إليها فملكوها وقتلوا أهلها وخربوها واستفحل الكرج‏.‏ثم كانت بينهم وبين صاحب خلاط غازي بن العادل بن أيوب واقعة هزمهم فيها وأثخن فيهم كما يأتي في دولة بني أيوب‏.‏ثم انتقض على شروان شاه ابنه وملك البلاد من يده فسار إلى الكرج واستصرخ بهم وساروا معه فبرز ابنه إليهم فهزمهم وأثخن فيهم فتشاءم الكرج بشروان شاه فطردوه عن بلادهم‏.‏واستقر ابنه في الملك واغتبط الناس بولايته وذلك سنة اثنتين وعشرين‏.‏ثم سار الكرج من تفليس إلى أذربيجان وأتوها من الأوعار والمضائق يظنون صعوبتها على المسلمين فسار المسلمون وولجوا المضائق إليهم فركب بعضهم بعضاً منهزمين ونال المسلمون منهم أعظم النيل‏.‏وبينما هم يتجهزون لأخذهم الثأر من المسلمين وصلهم الخبر بوصول جلال الدين إلى مراغة فرجعوا إلى مراسلة أزبك صاحب أذربيجان في الاتفاق على مدافعته وعاجلهم جلال الدين عن ذلك كما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

  استيلاء جلال الدين على أذربيجان وغزو الكرج

قد تقدم لنا مسير جلال الدين في نواحي بغداد وما ملك منها وما وقع بينه وبين صاحب إربل من الموافقة والصلح‏.‏ولما فرغ من ذلك سار إلى أذربيجان سنة اثنتين وعشرين وقصد مراغة أولاً فملكها وأقام بها وأخذ في عمارتها‏.‏وكان بغان طابش خال أخيه غياث الدين مقيماً بأذربيجان كما مر فجمع عساكره ونهب البلد وسار إلى ساحل أران فشتى هنالك‏.‏ولما عاث جلال الدين في نواحي بغداد كما قدمناه بعث الخليفة الناصر إلى بغان طابس وأغراه بجلال الدين وأمره بقصد همذان وأقطعه إياها وما يفتحه من البلاد فعاجله جلال الدين وصبحه بنواحي همذان على غرة وعاين الجند فسقط في يده وأرسل زوجته أخت السلطان جلال الدين فاستأمنت له فآمنه وجرد العساكر عنه‏.‏وعاد إلى مراغة‏.‏وكان أزبك بن البهلوان قد فارق تبريز كرسي ملكه إلى كنجة فأرسل جلال الدين إلى أهل تبريز يأمرهم بميرة عسكره فأجابوا إلى ذلك وترددت عساكره إليها فتجمع الناس وشكا أهل تبريز إلى جلال الدين ذلك فأرسل إليهم شحنة يقيم عندهم للنصفة بين الناس‏.‏وكانت زوجة أزبك بنت السلطان طغرلبك بن أرسلان وقد تقدم ذكرها في أخبار سلفها مقيمة بتبريز حاكمة في دولة زوجها أزبك‏.‏ثم ضجر أهل تبريز من الشحنة فسار جلال الدين إليها وحاصرها خمساً واشتد القتال وعابهم بما كان من إسلام أصحابه إلى التتر فاعتذروا بأن الأمر في ذلك لغيرهم والذنب لهم‏.‏ثم استأمنوا فأمنهم وأمر ببنت السلطان طغرل وأبقى لها مدينة طغرل إلى خوي كما كانت وجمع ما كان لها من المال والإقطاع وملك تبريز منتصف رجب سنة اثنتين وعشرين وبعث بنت السلطان طغرل إلى خوي مع خادميه فليح وهلال‏.‏وولى على تبريز ربيبها نظام الدين ابن أخي شمس الدين الطغرائي وكان هو الذي داخله في فتحها وأفاض العدل في أهلها وأوصلهم إليها وبالغ في الإحسان إليهم‏.‏ثم بلغه آثار الكرج في أذربيجان وأران وأرمينية ودربنذ شروان وما فعلوه بالمسلمين فاعتزم على غزوهم‏.‏وبلغه اجتماعهم برون فسار إليهم وعلى مقدمته جهان بهلوان الكنجي فلما تراءى الجمعان وكان الكرج على جبل لم يستهلوه فتسمنت إليهم العساكر الأوعار فانهزموا وقتل منهم أربعة آلاف ويزيدون وأسر بعض ملوكهم واعتصم ملك آخر منهم ببعض قلاعهم فجهز جلال الدين عليها عسكراً لحصارها وبعث عساكره في البلاد فعاثوا فيها واستباحوها‏.‏

  فتح السلطان مدينة كنجة ونكاحه زوجة أزبك

لما فرغ السلطان من أمر الكرج واستولى على بلادهم وكان قد ترك وزيره شرف الدين بتبريز للنظر في المصالح وولى عليها نظام الملك الطغرائي فقصد الوزير الوشاية به وكتب إلى السلطان بأنه وعمه شمس الدين داخلوا أهل البلد في الانتقاض وإعادة أزبك لشغل السلطان بالكرج فلما بلغ ذلك إلى السلطان أسره حتى فرغ من أمر الكرج‏.‏وترك أخاه غياث الدين نائباً على ما ملك منها وأمره بتدويخ بلادهم وتخريبها وعاد إلى تبرير فقبض على نظام الملك الطغرائي وأصحابه فقتلهم وصادر شمس الدين على مائة ألف وحبسه بمراغة ففر منها إلى أزبك‏.‏ثم لحق ببغداد وحج سنة خمس وعشرين‏.‏وبلغ السلطان تنصله في المطاف ودعاؤه على نفسه إن كان فعل شيئاً من ذلك فأعاده إلى تبريز ورد عليه أملاكه‏.‏ثم بعثت إليه زوجة أزبك في الخطبة وأن أزبك حنث فيها بالطلاق فحكم قاضي تبريز عز الدين القزويني بحلها للنكاح فتزوجها السلطان جلال الدين وسار إليها فدخل في خوي ومات أزبك لما لحقه من الغم بذلك‏.‏ثم عاد السلطان إلى تبريز فأقام بها مدة ثم بعث العساكر مع أرخان إلى كنجة من أعمال نقجوان وكان بها أزبك ففارقها وترك بها جلال الدين القمي نائباً فملكها عليه أرخان واستولى على أعمالها مثل وشمكور وبردعة وشنة وانطلقت أيدي عساكره في النهب فشكا أزبك إلى جلال الدين فكتب إلى أرخان بالمنع من ذلك وكان مع أرخان نائب الوزير إلى السلطان فعزل أرخان وذهب مغاضباً إلى أن قتلته الإسماعيلية‏.‏وفي أخر رمضان من سنة اثنتين وعشرين توفي الخليفة الناصر لسبع وأربعين سنة من خلافته واستخلف بعده ابنه الظاهر أبو نصر محمد بعهده إليه بذلك كما مر في أخبار الخلفاء‏.‏

  استيلاء جلال الدين على تفليس من الكرج بعد هزيمته إياهم

كان هؤلاء الكرج اخوة الأرمن وقد تقدم نسبة الأرمن إلى إبراهيم عليه السلام وكان لهم استطالة بعد الدولة السلجوقية وكانوا من أهل دين النصرانية فكان صاحب أرمن الروم يخشاهم ويدين لهم بعض الشيء حتى إن ملك الكرج كان يخلع عليه فيلبس خلعته‏.‏وكان شروان صاحب الدربند يخشاهم وكذلك ملكوا مدينة أرجيش بلاد أرمينية ومدينة فارس وغيرها وحاصروا مدينة خلاط قاعدتها فأسر بها مقدمهم أيواي وفادوه بالرحيل عنهم بعد أن اشترطوا عليه متابعته لهم في قلعة خلاط فبنوها وكذلك هزموا ركن الدولة فليحا أرسلان صاحب بلاد الروم لما زحف لأخيه طغرل شاه بارزن الروم استنجدهم طغرل فأنجدوه وهزموا ركن الدين أعظم ما كان ملكاً واستفحالاً‏.‏وكانوا يجوسون خلال أذربيجان ويعيشون في نواحيها‏.‏وكان ثغر تفليس من أعظم الثغور طرزاً على من يجاور منذ عهد الفرس وملكه الكرج سنة خمسة عشرة وخمسمائة أيام محمود بن محمود بن ملك شاه ودولة السلجوقية يومئذ أفحل ما كانت وأوسع إيالة وأعمالا فلم يطق ارتجاعه من أيديهم واستولى ايلدكز بعد ذلك وابنه البهلوان على بلاد الجبل والري وأذربيجان وأران وأرمينية وخلاط وجاورهم بكرسيه‏.‏ومع ذلك لم يطق ارتجاعه منهم‏.‏فلما جاء السلطان جلال الدين إلى أذربيجان وملكها زحف إلى الكرج وهزمهم سنة اثنتين وعشرين‏.‏وعاد إلى تبريز في مهمة كما قدمناه‏.‏فلما فرغ من مهمة ذلك وكان قد ترك العساكر ببلاد الكرج مع أخيه غياث الدين ووزيره شرف الدين فأغذ السير إليه غازياً من تبريز‏.‏وقد جمع الكرج واحتشدوا وأمدهم القفجاق وللكز وساروا للقاء‏.‏فلما التقى الفريقان انهزم الكرج وأخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب ولم يبقوا على أحد حتى استلحموهم وأفنوهم‏.‏ثم قصد جلال الدين تفليس في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين ونزل قريباً منها وركب يوماً لاستكشاف أحوالها وترتيب مقاعد القتال عليها وأكمن الكمائن حولها‏.‏واطلع عليهم في خف من العسكر فطمعوا فيه وخرجوا فاستطرد لهم حتى تورطوا‏.‏والتفت عليهم الكمائن فهربوا إلى البلد والقوم في اتباعهم‏.‏ونادى المسلمون من داخلها بشعار الإسلام وهتفوا باسم جلال الدين فألقى الكرج بأيديهم وملك المسلمون البلد وقتلوا كل من فيها إلا من اعتصم بالإسلام واستباحوا البلد وامتلأت أيديهم بالغنائم والأسرى والسبايا‏.‏وكان ذلك من أعظم الفتوحات‏.‏هذه سياقة ابن الأثير في فتح تفليس‏.‏وقال النسائي الكاتب إن السلطان جلال الدين سار نحو الكرج فلما وصل نهر أرس مرض واشتد الثلج ومر بتفليس فبرز أهلها للقتال فهزمهم العساكر وأعجلوهم عن دخولها فملكوها واستباحوها وقتلوا من كان فيها من الكرج والأرمن واعتصم أهلها بالقلعة حتى صالحوا على أموال عظيمة فحملوها وتركوهم‏.‏انتقض صاحب كرمان ومسير السلطان إليه ولما اشتغل السلطان جلال الدين بشأن الكرج وتفليس طمع براق الحاجب في الانتقاض بكرمان والاستيلاء على البلاد وقد كنا قدمنا خبره وأن غياث الدين استخلف على كرمان عند مسيره إلى العراق وأن جلال الدين لما رجع من الهند ارتاب به وهم بالقبض عليه ثم تركه وأقره على كرمان‏.‏فلما انتقض الآن وبلغ خبره إلى السلطان وهو معتزم على قصد خلاط فتركها وأغذ السير إليه واستصحب أخاه غياث الدين ووعد بكرمان وترك مخلفة بكيكلون وترك وزيره شرف الدين بتفليس وأمره باكتساح بلاد الكرج‏.‏وقدم إلى صاحب كرمان بالخلع والمقاربة والوعد فارتاب بذلك ولم يطمئن‏.‏قصد بعض قلاعه فاعتصم بها ورجع الرسول إلى جلال الدين فلما علم أن المكيدة لم تتم عليه أقام بأصفهان وبعث إليه وأقره على ولايته وعاد‏.‏وكان الوزير شرف الدين بتفليس كما قلناه وضاف الحال به من الكرج وأرجف عند الأمراء بكيكلون أن الكرج ناصروه بتفليس فسار أرخان منهم في العساكر إلى تفليس‏.‏ثم وصل البشير من نفجوان برجوع السلطان من العراق فأعطاه الوزير أربعة آلاف دينار‏.‏ثم افترقت العساكر في بلاد كرج وبها ايواني مقدمهم مع بعض أعيانهم وبعث عسكراً آخر إلى مدينة فرس اشتد عليها الحصار‏.‏ثم جر العساكر عليها وعاد إلى تفليس‏.‏

  مسير جلال الدين إلى حصار خلاط

كانت خلاط في ولاية الأشر بن العادل بن أيوب وكان نائبه بها حسام الدين علي الموصلي وكان الوزير شرف الدين حين أقام بتفليس عند مسير جلال الدين إلى كرمان ضاقت على عساكره الميرة فبعث عسكراً منهم إلى أعمال أرزن الروم فاكتسحوا نواحيها ورجعوا فمروا بخلاط فخرج نائبها حسام الدين واعترضهم واستنقذ ما معهم من الغنائم‏.‏وكتب الوزير شرف الدين بذلك إلى جلال الدين وهو بكرمان فلما عاد جلال الدين من كرمان وحاصر مدينة أنى استقر حسام الدين نائب خلاط للامتناع منه فارتحل وإلى بلاد أنحاز ليأتيه على غرة‏.‏ورحل جلال الدين من أنحاز فسار إلى خلاط وحاصر مدينة ملاذ كرد في ذي القعدة من السنة وانتقل منها إلى مدينة خلاط وحاصرها وضيق مخنقها وقاتلها مراراً‏.‏واشتد أهل البلد في مدافعته لما يعلمون من سيرة الخوارزمية الألوائية وكانوا متغلبين على الكثير من بسائط أرمينية وأذربيجان فبلغه أنهم أفسدوا البلاد وقطعوا السابلة وأخذوا الضريبة من أهل خوي وخربوا سائر النواحي وكتب إليه بذلك نوابه وبنت السلطان طغرل زوجته فلما رحل عن خلاط قصدهم على غرة قبل أن يصعدوا إلى حصونهم بجبالهم الشاهقة فأحاطت بهم العساكر واستباحوهم واقسموهم بين القتل والغنيمة وعاد إلى تبريز‏.‏

  دخول الكرج مدينة تفليس وإحراقها

ولما عاد السلطان من خلاط وغزو التركمان فرق عساكر للمشتى وكان الأمراء أساؤوا السيرة في تفليس وهرب العسكر الذين بها واستلحموا بقيتهم وخربوا البلاد وحرقوها لعجزهم عن حمايتها من جلال الدين وذلك في ربيع سنة أربع وعشرين وستمائة‏.‏وعند النسائي الكاتب أن استيلاء الفرنج على تفليس وإحراقهم إياها كان والسلطان جلال الدين على خلاط وأنه لما بلغه ذلك رجع وأغار على التركمان في طريقه لما بلغه من إفسادهم فنهب أموالهم وساق مواشيهم إلى موقان وكان خمسها ثلاثين ألفاً‏.‏ثم سار إلى خوي لملاقاة بنت طغرل‏.‏ثم سار إلى كنجة فبلغه الخبر بانصراف الكرج عن تفليس بعد إحراقها‏.‏قال ولما وصل كنجة قدم عليه هنالك خاموش بن الأتابك أزبك بن البهلوان مؤذياً منطقة بلخش قدر الكف مصنوعاً عليه منقوشاً اسم كيكاوس وجماعة من ملوك الفرس فغير السلطان صناعتها ونقشها على اسمه وكان يلبس تلك المنطقة في الأعياد وأخذها التتر يوم كبسوه وحملت إلى الخان الأعظم ابن جنكزخان بقراقدوم‏.‏وأقام خاموش في خدمة السلطان إلى أن صرعه الفقر ولحق بعلاء الملك ملك الإسماعيلية فتوفي عنده‏.‏انتهى كلام النسائي‏.‏

  أخبار السلطان جلال الدين مع الإسماعيلية

كان السلطان جلال الدين بعد وصوله من الهند ولى أرخان على نيسابور وأعمالها وكان وعده بذلك بالهند فاستخلف عليها وأقام مع السلطان‏.‏وكان نائبه بها يتعرض لبلاد الإسماعيلية المتاخمة له بهستان وغيرها بالنهب والقتل فأوفدوا على السلطان وهو بخوي - وقد أمنهم - يشكون من نائب أرخان وأساء عليهم أرخان في المجاورة‏.‏ولما عاد السلطان إلى كاسنجة وكان قد أقطعها وأعمالها لأرخان‏.‏فلما خيم بظاهرها وثب ثلاثة من الباطنية ويسمون الفداوية لأنهم يقتلون من أمرهم أميرهم بقتله ويأخذون ديتهم منه وقد فرغوا عن أنفسهما فوثبوا به فقتلوه وقتلتهم العامة‏.‏وكانت الإسماعيلية قد استولوا على الدامغان أيام الفتنة ووصل رسولهم بعد هذه الواقعة إلى السلطان وهو ببيلقان فطالبهم بالنزول على الدامغان فطلبوا ضمانها بثلاثين ألف دينار وقررت عليهم‏.‏وكان الرسول الوافد في خدمة الوزير وهم راجعون إلى أذربيجان فاستخفه الطرب ليلة وأحضر له خمسة من الفداوية معه بالعسكر وبلغ خبرهم السلطان فأمره بإحراقهم‏.‏انتهى كلام النسائي‏.‏وقال ابن الأثير إن السلطان بعد مقتل أرخان سار في العساكر إلى بلاد الإسماعيلية من الموت إلى كردكوه فاكتسحها وخربها وانتقم منهم وكانوا بعد واقعته قد طمعوا في بلاد الإسلام فكف عاديتهم وقطع أطماعهم وعاد فبلغه أن طائفة من التتر بلغوا الدامغان قريباً من الري فسار إليهم وهزمهم وأثخن فيهم‏.‏ثم جاء الخبر بأن التتر متلاحقة لحربه فأقام في انتظارهم في الري انتهى ، ^? قد تقدم لنا أن بنت السلطان طغرل زوجة أزبك بن البهلوان لما ملك السلطان جلال الدين تبريز من يدها أقطعها مدينة خوي ثم تزوجها بعد ذلك كما قدمناه وتركها لما هو فيه من أشغال ملكه فوجدت لذلك ما فقدته من العز والتحكم‏.‏قال النسائي الكاتب وأضاف لها السلطان مدينتي سلماس وأرمينية وعين رجلاً لقبض إقطاعها فتنكر لها وأغرى بها الوزير فكاتب السلطان بأنها تداخل الأتابك أزبك وتكاتبه‏.‏ثم وصل الوزير إلى خوي فنزل بدارها واستصفى وكانت مقيمة بقلعة طلج فحاصرها وسئلت المضي إلى السلطان فأبى إلا نزولها على حكمه انتهى‏.‏وكان أهل خوي مع ذلك قد ضجروا من ملكة جلال الدين وجوره وتسلط عساكره فاتفقت الملكة معهم وكاتبوا حسام الدين الحاجب النائب عن الأشراف بخلاط فسار إليهم في مغيب السلطان جلال الدين بالعراق واستولى على مدينة خوي وأعمالها وما يجاورها من الحصون وكاتبه أهل نقجوان وسلموها له وعاد إلى خلاط واحتمل الملكة بنت طغرل زوجة جلال الدين إلى خلاط إلى أن كان ما نذكره‏.‏

  واقعة السلطان مع التتر على أصفهان

ثم بلغ الخبر إلى السلطان بأن التتر زحفوا من بلادهم فيما وراء النهر إلى العراق فسار من تبريز للقائهم وجرد أربعة آلاف فارس إلى الري والدامغان طليعة فرجعوا وأخبروه بوصولهم إلى أصفهان فنهض للقائم واستخلف العساكر على الاستماتة‏.‏وأمر القاضي بأصفهان باستنفار العامة وبعث التتر عسكراً إلى الري فبعث السلطان عسكراً لاعتراضهم فأوقعوا بالتتر فنالوا منهم‏.‏ثم التقى الفريقان في رمضان سنة خمس وعشرين لرابعة وصولهم إلى أصفهان وانتقض عنه أخوه غياث الدين وجهان بهلوان الكجي في طائفة من العسكر‏.‏وانهزمت ميسرة التتر والسلطان في اتباعهم وكانوا قد أكمنوا له فخرجوا من ورائه وثبت واستشهد جماعة من الأمراء وأسر آخرون وفيهم علاء الدولة صاحب يزد‏.‏ثم صدق السلطان عليهم الحملة فأفرجوا له وسار على وجهه وانهزمت العساكر فبلغوا فارس وكرمان‏.‏ورجعت ميمنة السلطان من قاشان فوجدوه قد انهزم فتفرقوا أشتاتاً وفقد السلطان ثمانية من فرقه‏.‏وكان بقاطي بستي مقيماً بأصفهان فاعتزم أهل أصفهان على بيعته‏.‏ثم وشل السلطان فاقصروا عن ذلك وتراجع بعض العسكر وسار السلطان فيهم إلى الري‏.‏وكان التتر قد حاصروا أصفهان بعد الهزيمة فلما وصل السلطان خرج معه أهل أصفهان فقاتلوا التتر وهزموهم وسار السلطان في اتباعهم إلى الري وبعث العساكر وراءهم إلى خراسان‏.‏وعند ابن الأثير أن صاحب بلاد فارس وهو ابن الأتابك سعد الذي ملك بعد أبيه حضر مع السلطان في هذه الواقعة وأن التتر انهزموا أولاً فاتبعهم صاحب فارس حتى إذا أبعدوا انفرد عن العسكر‏.‏ورجع عنهم فوجد جلال الدين قد انهزم لانحراف أخيه غياث الدين وأمرائه عنه ومضى إلى شهرم تلك الأيام ثم عاد إلى أصفهان كما ذكرناه‏.‏الوحشة بين السلطان جلال الدين وأخيه غياث الدين كان ابتداؤها أن الحسن بن حرميل نائب الغورية بهراة لما قتلته عساكر خوارزم شاه محمد بن تتش وحاصروا وزيره الممتنع بها حتى اقتحموها عليه عنوة وقتلوه هرب محمد بن الحسن بن حرميل إلى بلاد الهند‏.‏فلما ملك السلطان جلال الدين وحظي لديه أقامه شحنة بأصفهان‏.‏فلما سار السلطان إلى أصفهان للقاء التتر انحرف جماعة من غلمان غياث الدين عنه فصاروا إلى نصرة الدين بن حرميل واسترجعهم منه غياث الدين في بيته وطعنه فأشواه ومات لليال‏.‏وأحفظ ذلك السلطان وأقام غياث الدين مستوحشاً فلما كان يوم اللقاء انحرف عن أخيه ولحق بخوزستان وخاطب الخليفة فبعث إليه بثلاثين ألف دينار‏.‏وسار من هنالك إلى قلعة الموت عند صلاح الدين شيخ الإسماعيلية‏.‏فلما رجع السلطان من وقعة التتر إلى الري سار إلى قلعة الموت وحاصرها فاستأمن علاء الدين إلى السلطان غياث الدين فأمنه وبعث من يأتيه به فامتنع غياث الدين وفارق القلعة واعترضه عساكر السلطان بنواحي همذان وأوقعوا به وأسروا جماعة من أصحابه ونجا إلى براق الحاجب بكرمان فتزوج بأمه كرهاً ونمي إليه أنها تحاول سمه فقتلها وقتل معها جهان بهلوان الكجي وحبس غياث الدين ببعض القلاع‏.‏ثم قتله بمحبسه ويقال بل هرب من محبسه ولحق بأصفهان وقتل بأمر السلطان‏.‏قال النسائي وقفت على كتاب براق الحاجب إلى الوزير شرف الملك والسلطان بتبريز وهو يعدد سوابقه فعد منها قتله أعدى عدو السلطان والله تعالى ولي التوفيق‏.‏

  انتقاض البهلوانية

لما ارتحل السلطان والوزير شرف الملك معه وانتهى إلى همذان بلغه أن الأمراء البهلوانية إجتمعوا بظاهر تبريز يرومون الانتقاض واتبعه خاموش بن الأتابك أزبك من قلعة قوطور وكان مقيماً بها فرجع السلطان إليهم وقدم بين يديه الوزير شرف الملك قريباً من تبريز وهزمهم وقبض على الذين تولوا كبر الفتنة منهم ودخل تبريز قصبتهم وقبض على القاضي المعزول فصادمه قوام الدين الحرادي ابن أخت الطغرائي وصادره وسار السلطان للقاء التتر وأقام الوزير نائباً للبلاد‏.‏

  إيقاع نائب خلاط بالوزير

ولما كان ما ذكرناه من مسير حسام الدين نائب خلاط إلى أذربيجان واحتماله زوجة السلطان جلال الدين إلى خلاط امتعض الوزير لذلك فسار إلى موقان من بلاد أران وجمع التركمان وفرق العمال للجباية وطلب الحمل من شروان شاه وهو خمسون ألف دينار فتوقف‏.‏وأغار على بلاط فلم يظفر بشيء ورجع إلى أذربيجان‏.‏وكانت بنت الأتابك بهلوان في بقجان فارقها مولاها أيدغمش وجاء إلى الوزير فأطمعه فيها وصار الوزير مضمراً الغدر بها وامتنعت عليه‏.‏ونزل بالمرج فأكرمته وقربته ورحل إلى حورس من أعمالها وكانت للأشرف صاحب خلاط أيام أزبك فانتشرت أيدي العسكر في تلك الضياع وقاتلها الوزير‏.‏وجاء الحاجب صاحب خلاط في عساكره فانهزم الوزير وترك أثقاله وذلك سنة أربع وعشرين‏.‏وكان مع الحاجب فخر الدين سام صاحب حلب وهشام الدين خضر صاحب تبريز برم‏.‏وكان الوزير ‏"‏ ‏"‏ وتكاليفه فظفر الآن بمخلفه وخلص الوزير إلى أران وسار الحاجب علي في اتباعه‏.‏ثم عاد إلى تبريز ومر بخوي فنهبها ثم سار إلى بقجان فملكها ثم تدمر كذلك‏.‏وأقام الوزير بتبريز وكان بها الأتابك أزبك متنسكاً منعه أهل تبريز من الدخول وحملوا إليه النفقة‏.‏ثم جاء الخبر برجوع السلطان إلى أصفهان بعد الهزيمة كما مر فسار الوزير إلى أذربيجان ولقي ثلاثة من الأمراء جاءوا مدداً له من عند السلطان وأمره بحصار خوي فتأخر إليها وبها نائب الحاجب حسام الدين صاحب خلاط وهو بدر الدين بن صرهنك والحاجب حسام الدين علي منوشهر فنهض إليه الوزير من خوي فتأخر إلى تركري‏.‏والتقيا هنالك فانهزم الحاجب ودخل تركري فاعتصم بها وحاصره الوزير وطلب الصلح فلم يسعفه‏.‏ورجع الذين كانوا معه بعساكرهم إلى أذربيجان‏.‏وأفرج الوزير عن حصار تركري ومر بخوي وقد فارقها ابن صرهنك إلى قلعة قوطور‏.‏واستأمن للسلطان من بعد ذلك ودخل الوزير مدينة خوي وصادر أهلها وسار إلى ترمذ ونقجوان ففعل فيهما مثل ذلك وانقطعت إيالة الحاجب صاحب خلاط والله أعلم‏.‏